عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

117

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

وقد أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى ذلك بقوله : وإذا التفّت الساق بالساق : فإلى ربك المساق ، وإليه ترجع الأمور ، إذ كان منه الصدور . معناه : إذا التفت والتحقت الذات الإنسانية بالذات الرحمانية ، بشهودها أنها عينها - لا غيرها - من كل جهة ، وبكل اعتبار ، وعلى كل حال ، وفي كل وقت على الدوام . فإلى مقام الربوبية المحضة ، يكون مساق هذا الإنسان . وحينئذ ، ترجع إليه - أي إلى الإنسان - الأمور ؛ لأنه الحق الذي كان منه البداية والصدور . إذ الأمر دوريّ ، يعود إلى ما بدأ . ولهذا ، قال الشيخ رضي اللّه عنه : لا تبسمل ، وقل بكن ، مثل ما قاله يكن . بكن الأولى ، بالباء الموحدة . ويكن الأخيرة ، بالياء المثناة من تحت ؛ وهذا جزاء لقوله : قل . والمعنى : لا ترجع بك إليه ، كما هو المقصود في البسملة ، بل ارجع بالأمر كله إليك ، وقل كُنْ [ النّحل : 40 ] لما تريده ، كما يقوله الحقّ ، يكن ما شئت كما شئت . فإليه رجوعنا ، لا إلينا . أي : فإلى مقام الربوبية رجوعنا ، لا إلى مقام العبودية . فالربوبية لازمة لذواتنا ، والعبودية عارضة بحكم المحل . وترتيب الحكمة ، هو المقتضي للحكمين في المحلين ؛ من أجل هذه الذات الواحدة الكاملة بجميع تلك المعاني . فكن عين الذات الإلهية من كل جهة ، وبكل اعتبار ، وعلى كل حال ، لا تخرج عن ذلك طبعا . تكن ، عينه . . بإظهار الأثر من نفوذ كل أمر ، وإدراك كل علم . وما يلقّاها إلا الذين صبروا ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) [ فصّلت : 35 ] . وقد رمزت لك في هذه النبذة ، جميع ما صرّح به الشيخ في الباب الخامس من كتاب الفتوحات المكية . فتأمله ، ترشد بمعرفته إن شاء اللّه تعالى . * * * الباب السادس جرى بنا جواد البنان في هذا البيان ، حتّى أظهر ما لم يخطر إظهاره في الجنان قال الشيخ رضي اللّه عنه : ومن ذلك . أي ، ومن بعض ما تضمّنه هذا الباب من فنون العلم المشار إليه أولا . سرّ الروح وتشبيهه بيوح . الألف واللام في الروح ، للعهد - وتقديره : سرّ الروح الكلية المشرقة من الهياكل الجزئية ، التي يصحّ وقوعها